مع نهاية عام 2022، تشاركنا ثلاثة عضوات من شبكة ماري كولفن للصحفيات قصصا عن الحرب والشجاعة والأمل.

 

 

صفاء صالح (مصرية مقيمة في دبي)

صفاء هي كبيرة المراسلين الحربيين في قناة الآن، ومقرها في دبي. غطت أهم الصراعات: من الحروب في سوريا و ليبيا، إلى سيطرة طالبان على أفغانستان عام 2021. في سبتمبر أيلول من هذا العام، أمضت 27 يوما في أوكرانيا، تجولت خلالها في عدة جبهات وعاشت خوفا لم تعهده من قبل.

 

تأخرت في الذهاب إلى أوكرانيا بسبب مشاكل في التأشيرة، ولكن أيضا لأننا لم ندرك أن الحرب ستستمر بهذا الشكل. ذهبت إلى كل الجبهات تقريبا: من خاركيف، إلى الجبهات القريبة من الدونباس، خيرسون، ميكولايف وغيرها.

خبرتي كمراسلة حربية ومدربة في السلامة الميدانية تتركز في الحماية من إطلاق النيران من الأسلحة التقليدية والدبابات. ولكن ما تعرضنا له في أوكرانيا كان من طائرات بدون طيار (drones) وصواريخ موجهة. وبالتالي، فإن مجرد دخولي إلى أي جبهة كان أمرا صعبا للغاية. 

المشكلة الأكبر كانت العثور على مكان للاختباء، فكل الجبهات مفتوحة وأحيانا لا يفصل بين جبهتين سوى نهر. كانت المدن مدمرة تماما، ولم تكن هناك أماكن للاحتماء. 

أنا أعمل لوحدي، أصوّر وأجري المقابلات وأكتب المادة وثم أرسلها إلى غرفة الأخبار في دبي. آخر مرة عملت مع طاقم إخباري كانت في ليبيا عام 2014 عندما كنت أعمل مع موقع المصري اليوم. في تلك الرحلة اختطف مسلحون مصوري، طارق وجيه، أثناء تواجدنا في طرابلس وكان علي أن أكمل المهمة لوحدي. ومع أنه تم إطلاق سراحه، عندما عدت إلى القاهرة صدر قرار بأن يتم تدريبي على التصوير لكي أتمكن من العمل بنفسي، ومنذ ذلك الوقت لم ينضم لي سوى مترجمون وسائقون.

ليلة السابع من أكتوبر تشرين الأول كانت الأصعب في رحلتي. كنت قد وصلت إلى الفندق في مدينة خاركيف في الساعة الحادية عشرة مساء بعد يوم طويل من العمل في مدينة إزيوم المجاورة. ذهبت إلى النوم وبعدها بنصف ساعة فقط استيقظت على صوت أربعة صواريخ متتالية. كان الصوت عاليا وشعرنا وكأن فندقنا هو المستهدف. اتصلت بالمترجم في الغرفة المجاورة وقال لي إن علينا أن نتوجه إلى الملجأ. أكثر ما صدمني هو أنه قال لي، وبكل هدوء، أن أحضر معي جواز سفري لكي يتعرفوا على جثتي من أوراقي الثبوتية إن حدث لي شيء. 

أشعر أنني أشارك في كتابة التاريخ لكي لا يتم تزويره.

لم أنزل إلى الملجأ، إنما ارتديت ملابسي وجلست على كرسي وراء الباب في ظلام دامس، وقرأت الفاتحة.

كانت تلك المرة الأولى التي أشعر فيها أن هذا آخر يوم في حياتي. كدت أن أضع منشورا على فيسبوك لوداع أصدقائي ، ولكنني تذكرت أن أخواني وأبناءهم سيقرؤون المنشور ولم أكن أرغب في أن أسبب لهم أي قلق. في صباح اليوم التالي، اكتشفنا أن الهدف كان يبعد عن الفندق حوالي 500 متر.

 

صفاء صالح في أوكرانيا

 

أنا أركز في تغطيتي على القصص الإنسانية وأثر جرائم الحرب على المدنيين. واحدة من أصعب المقابلات كانت مع أحد الناجين من الهجوم الروسي على مدينة بوتشا. كان يحاول الهروب من المدينة مع أسرته بالسيارة، ولكن مسلحين أطلقوا النار عليهم فقتلوا زوجته وأطفاله. كان يبكي خلال المقابلة وهو يحكي لي ما حل بهم، ثم انحنى فجأة وخلع الحذاء، ثم خلع ساقه ليقول إني إنها بترت أيضا. كان المنظر صادما للغاية لأنه لم يمهد الأمر لي قبل أن يقدم على ذلك.

لا أعرف ما الذي يجذبني إلى مناطق النزاع، ولكنني أشعر أحيانا أنني أشارك في كتابة التاريخ لكي لا يتم تزويره. هناك الكثير من الأمور في التاريخ التي إما تم طمسها أو تحريفها. الكثيرون يشككون مثلا في مأساة النساء الايزيديات في سوريا، وينكرون وجود الأسواق التي كان يتم بيعهن فيها كعبيد. ولكنني ذهبت إلى هناك عام 2015 وقابلتهن، وتعرفت على شباب يقومون بإنقاذهن وتهريبهن من الرقة وتلعفر وإعادتهن إلى أهاليهن في العراق، وعدت من تلك المهمة وأنا مصابة بالاكتئاب. كنت ألوم نفسي لأني طلبت من النساء أن يروين تفاصيل مرعبة لما حلّ بهن. 

عندما نشرت التقارير، هوجمت من قبل متشددين، وهناك من حاول اختراق حساباتي على وسائل التواصل الاجتماعي والتشكيك في دقة تقاريري. حتى الآن، بعض المتابعين ينتقدونني للذهاب إلى أوكرانيا، ويقولون إنه من الأحرى أن أغطي العراق وسوريا بدلا من دولة أوروبية. لكنني أغطي كل الحروب، وما لا يعرفه الكثيرون هو أن أوكرانيا تأوي الكثير من العرب، خاصة في كييف وأوديسا، الذين يعيشون بسلام ولا يشعرون بالعنصرية.

 

نعائم خالد (يمنية من تعز)

نعائم صحفية مع قناة عدن الرسمية، وتنتج مواد فيديو لوكالات أنباء عربية. تدير أيضا موقعها الخاص، نعائم نيوز، حيث تنشر قصص إخبارية وأعمدة رأي. هي أم لولدين وبنت، وقد غطت الحرب في اليمن منذ بدايتها، و من الخطوط الأمامية في مدينة تعز المحاصرة. في عام 2022 انتقلت نعائم لتغطية قضايا اجتماعية وإنسانية، بدلا من التركيز على قصص الموت والدمار. ولكنها كانت أيضا السنة التي عانت فيها من تنمّر غير مسبوق من متشدّدين.

 

عدت للتو من تغطية أول معرض للكتاب في جامعة تعز منذ الحرب. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الناس يريدون العودة إلى السلم والاستقرار. لم ينسوا الحرب ولكنهم يتناسونها ويحلمون بعودة الثقافة والأدب إلى مدينتنا المحاصرة.

بعد سنوات من الوقوف على الخطوط الأمامية للحرب في بلدي، كانت هذه أول سنة أغطي فيها قضايا اجتماعية وإنسانية. السفر إلى مدن أخرى صعب للغاية، ولكنني تمكنت هذه السنة من الوصول إلى المخيمات وكتابة تقارير عن النازحين واحتياجاتهم التعليمية والصحية، كما غطيت قضايا اجتماعية كالعنف ضد النساء في المناطق الريفية.

لا أريد ترك الصحافة بسبب المتشديين، فهم دخلاء وأؤمن بأن المجتمع سينبذهم في نهاية المطاف.

كانت هناك بوارق أمل هذا العام. فلقد زار المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، تعز للمرة الأولى، وتحدث مع جميع الأحزاب السياسية من دون استثناء. وفي عيد الأضحى، أقيمت مهرجانات على مدى خمسة أيام متتالية في ميدان الشهداء مع أنه تعرض للقصف أكثر من مرة. أتت فرق موسيقية من حضرموت ومن صنعاء. تحدينا حظر التجوال، ورقصنا وغنينا معهم، رجالا ونساء، حتى منتصف الليل.

لكن الحرب لم تنته، ولا تزال تعز محاصرة من قبل الحوثيين ولا يوجد سوى منفذ واحد من الجهة الغربية.منطقة الحوبان، التي تقع تحت سيطرة الحوثيين، تبعد عنّا أربعة دقائق فقط، ولكن الوصول إليها الآن يستغرق ست ساعات. الطرق وعرة ولقد مات الكثيرون في حوادث طرق لمجرد أنهم أرادوا الوصول إلى أسرهم على الطرف الآخر.

هذه السنة لم تخلو من المآسي، في شهر يوليو تموز سقطت قذيفة أودت بحياة أحد عشر طفلا، وأذكر أيضا قصة شقيقتين صغيرتين خرجتا لجلب الحطب وانفجر فيهما لغم أرضي. كان من المفترض أن تعودان إلى بيتهما حاملتان الحطب ولكنهما عادتا بدون أطراف.

 

نعائم خالد

 

 

هذه السنة أيضا عانيت من تنمّر غير مسبوق من قبل متشددين لا يحترمون المرأة العاملة. في أكثر من مرة كنت أذهب إلى المسجد لتغطية صلاة الجنازة على شهداء، فيهاجمني الرجال بحجة أن دخول المرأة إلى المسجد حرام، مع أنه لا توجد آية في القرآن تحرم ذلك. في إحدى المرات، ذهبت إلى مخيم للاجئين فإذا بمدير المخيم يمنعني من الدخول بحجة أنني لا أملك تصريح، مع أنني أحمل بطاقة صحفية. ولكنه تمادى في إهانتي لأنني امرأة. وهناك حملات يشنها متشددون ضد منظمات المجتمع المدني والإعلام. يدعون أننا نروّج للانحلال، ويهاجمون أيضا الصحفيات لأنهن لا يلبسن النقاب، وهم بذلك يعتبروننا منحرفات. هذا التنمر يتعبني وكثيرا ما أجلس بالليل لوحدي وأبكي.

لا أنكر أنني وصلت لمرحلة كدت أن أتوقف فيها عن العمل بسبب هؤلاء الذين يستخدمون الدين كذريعة ضدنا. هناك تطرف غير عادي، لكن تعز لم تكن كذلك. أنا صحفية منذ عام 2003، كنت أنزل إلى الميدان باستمرار ودون مشاكل لكن الأمور تغيرت. ولكنني أعود وأقول إنني لا أريد ترك الصحافة بسبب هؤلاء المتشديين، فهم دخلاء على مجتمعنا وأؤمن بأن المجتمع سينبذهم في نهاية المطاف.

 

منار الزبيدي (عراقية من الديوانية) 

منار هي رئيسة تحرير كل من موقع منار نيوز، ومنصة أنا حرة للبودكاست، واللتان تنتجان قصص هامة عن قضايا المرأة والعنف الجندري. هي أيضا ناشطة مع مؤسسات المجتمع المدني وتقدم نصائح قانونية واستشارات حول السلامة للنساء. هي أم لولدين وبنتين وتعيش في مدينة الديوانية إلى جنوب من العاصمة بغداد. منذ أعوام وهي تواجه سخط الأحزاب السياسية والدينية، لأنها صحفية مستقلة تتحدث بصوت واضح عن الشؤون السياسية وقضايا المرأة واضطهاد الأقليات في العراق.

 

هذا العام كتبت كثيرا عن قضايا مسكوتٍ عنها. وفي كل مرة أكتب عن النساء، يتهمني البعض إما بتحريض النساء على الخروج عن العادات والتقاليد، أو بمعارضة تعاليم الدين.

تحدثت هذا العام عن اغتصاب القربى، والذي يسمونه جزافا بالزنى. الزنى يتم بموافقة الطرفين أما ما أتحدث عنه فهو اغتصاب النساء من قبل أقاربهن. اتهمني البعض بتشويه صورة مجتمعنا والعلاقات الأسرية. قدمت أيضا برنامج "بودكاست" عن الطلاق، وقلت إنه حق للمرأة للتحرر من زواج إذا كانت ضحية عنف. هناك من اتهمني بأنني أشجع الطلاق، وتمسكت بموقفي بأن الطلاق حلال في الإسلام مثله مثل تعدد الزوجات الذي يتمسكون هم به، ولايطبقونه بشروطه التي تحفظ للمراة حقوقها وكرامتها وتزيد من تماسك الاسرة.

سأستمر في الكتابة ورصد الانتهاكات فهذه هذه مسؤوليتي الأخلاقية تجاه مجتمعي.

هذا العام ألقيت محاضرات عن الابتزاز الذي تتعرض له الفتيات عندما يهددن بنشر صور ورسائل شخصية قد تسيء إلى سمعتهن وتسبب لهن مشاكل كبيرة مع أسرهن. ونصحت اللواتي يتعرضن للابتزاز والعنف داخل البيت بأن يخرجن عن صمتهن ودعوتهن للتواصل إما مع الشرطة المجتمعية أومعي شخصيا لأقدم لهن المساعدة. اتهمني البعض في هذه المحاضرات بالتشجيع على تفكيك الأسر وفضح النساء وتشويه سمعتهن. ولكن أغلب الحاضرين كانوا متفهمين وتواصلوا معي مباشرة  للمساعدة.

أدرت جلسات لمنظمة إنترنيوز حول العنف القائم على أساس النوع الاجتماعي في عدة محافظات من بينها محافظات ذات صبغة دينية عشائرية. خلال هذه الجلسات اكتشفت أن أكثر عنف تتعرض له النساء هناك هو التحرش الجنسي. احتج البعض  أثناء الجلسات وأنكروا أن يحدث ذلك في مدنهم باعتبار أنها مدينة متدنية ومحافظة. لكن عددا من النساء المشاركات أكدن أن التحرش يحدث كثيرا، وأن بعض المتحرشين هم أشخاص متنفذون يقومون بالتحرش، ولا أحد يتجرأ على مواجهتهم خوفا منهم. 

 

منار الزبيدي

 

عندما أكتب عن الانتهاكات التي تحدث في محافظتي، الديوانية، أو في أي محافظة أخرى يهاجمني البعض بحجة أنني ابنة محافظة عشائرية ولا يجوز أن أتحدث عنها بهذا الشكل. لو تحدثت عن اضطهاد الأقليات كالغجر، يسخر مني بعض المسؤولين ويتساءلون لِمَ أهتم بهم وأنا لست غجرية. 

نحن الصحفيات المستقلات مستهدفات دائما، لأننا لا نعمل مع وسائل الإعلام التابعة للأحزاب السياسية وبالتالي لا يوجد لنا سند أو دعم.

هذه المضايقات ليست بجديدة عليّ. في السنوات السابقة كانت هناك محاولات لاختراق حساباتي، وتهديدات صريحة من أطراف محسوبة على تيارات سياسية بأن بإمكانهم الوصول لي ولأسرتي. ولا أخفي أنني اضطررت في بعض الأحيان إلى حذف منشورات لأنني خفت على حياتي وحياة أفراد أسرتي. هذه السنة شهدت خروج الكثير من الصحفيين من العراق بسبب تهديدات علنية ومخيفة أما أنا فمن الصعب أن أترك بلدي ومحافظتي. فجذروي هنا.

أعتقد أن عملنا سيصبح أكثر صعوبة العام المقبل، بسبب ضعف تطبيق القانون وإفلات الجناة من العقاب وبالتالي عدم وجود بيئة صحفية صحية وآمنة. سنعمل بالممكن وبالوسائل التي تكفل لنا حرية العمل الصحفي والحفاظ على حياتنا وحياة أسرنا. سأستمر في الكتابة ورصد الانتهاكات فهذه هذه مسؤوليتي الأخلاقية تجاه مجتمعي.