في مايو أيار 2011 اعتقلت السلطات البحرينية الصحفية نزيهة سعيد أثناء تغطيتها للتظاهرات الشعبية في البلاد لتلفزيون France 24 وإذاعة مونتي كارلو. تعرضت نزيهة للتعذيب والانتهاك أثناء فترة الاعتقال، وبعد خروجها قامت برفع دعوى ضد نساء ورجال الشرطة الذين أشرفوا على التحقيق، إلا أنه لم تتم إدانة أحد. حاولت نزيهة البقاء في البحرين ومزاولة الصحافة بالرغم من كل المحاولات للتضييق عليها وإسكاتها، ولكنها بعد خمسة أعوام قررت الرحيل عندما وصل القمع إلى حد لا يطاق.

بحقيبة واحدة وتأشيرة دخول مؤقتة، وصلت نزيهة إلى باريس دون خطة واضحة، وكانت تلك بداية رحلة جديدة للعودة إلى الصحافة والتأقلم مع عالم جديد. هي الآن تعيش في برلين، ألمانيا.

حدّثينا عن الخمسة أعوام الأخيرة التي أمضيتِها في البحرين بعد اعتقالكِ، كيف تمكنتِ من البقاء والعمل بالرغم من ما حدث؟ 

لم يكن خيار الرحيل واردا في ذهني آنذاك. خرجت مؤقتا إلى فرنسا بعد إطلاق سراحي بأقل من 48 ساعة لتلقي العلاج وبإصرار من قناة France 24. بعد 10 أيام من المجيء إلى فرنسا، بدأت أشعر بالآثار النفسية لما مررت به في مركز الشرطة، فصممت على العودة إلى البحرين لأنني كنت بحاجة لأن أكون بجانب أهلي.

بعد عودتي بثلاثة أشهر عاد التوتر إلى الشارع من جديد فحملت الميكروفون تلقائيا وتوجّهت إلى الميدان، وعندما شاهدت قوات الشرطة في الشارع عاد إليّ الخوف من جديد. بعضهم كانوا يتفاجئون لرؤيتي ويسألونني: "ألا تزالين هنا؟" وكأنهم مستغربين لأنهم لم يتمكنوا من كسر عزيمتي.

ازدادت المضايقات بعد ذلك وأصبحت ممنوعة من حضور المؤتمرات الصحفية ودائما بحجج واهية. مرة يقولون إن اسمي ليس على القائمة، ومرة يقولون إن وسائل الإعلام التي أعمل معها ليست ذات أهمية، مع العلم بأنني كنت أعمل مع France 24 وإذاعة مونتي كارلو وصحيفة الحياة.

يريدون أن أتبنّى الرواية الرسمية لما كان يحدث في الشارع آنذاك وأن أسمّي المتظاهرين إرهابيين وأنا لم أكن مستعدة للقيام بذلك.

في عام 2013 منعت أيضا من تغطية سباق الفورمولا ون، مع العلم بأنني أغطيه منذ عام 2004 وكنت رئيسة نادي حلبة البحرين الدولية للإعلام لمدة سنتين. ضقت ذرعا بهذه المضايقات وسألت المسؤولين إلى متى سيستمرون في ذلك فقالوا إن عليّ مراجعة أسلوبي في كتابة التقارير: يريدون أن أتبنّى الرواية الرسمية لما كان يحدث في الشارع آنذاك وأن أسمّي المتظاهرين إرهابيين وأنا لم أكن مستعدة للقيام بذلك.

في بعض الأحيان، عندما كنتُ أتوجه مع صحفيين آخرين لتغطية مظاهرات، كانت الشرطة تقتادنا إلى مراكز أمن بحجة تفقد الهويات، وتحتجزنا هناك إلى أن تنتهي التظاهرات. هذه المواقف كانت مرعبة للغاية بالنسبة لي لأنها كانت تعيدني بالذاكرة إلى ما حدث معي عام 2011. أذكر أنني كنت أبكي وأمر بنوبات هلع ولكنني كنت أبذل قصارى لإخفاء ذلك كي لا يلاحظوا. أذكر مرة أن أحد المسؤولين قال لي: "لا تزالين هنا؟ قلتِ إنكِ تعرضت للتعذيب ولكنكِ تبدين على ما يرام" وكأنه يرغب في أن يراني مكسورة.

ما الذي دفعكِ في النهاية إلى الرحيل؟

في عام 2016 سحبت منّي الشرطة ترخيص الصحافة وأمرتني وزارة الإعلام بتجديدها، فقدمت لهم كتابا رسميا من إذاعة مونتي كارلو بحسب الإجراءات الروتينية، ولكنهم رفضوا الطلب فأدركت عندها أنه لا بد من أن أتوقف عن العمل فورا لأنني لو قمت بأي عمل، كمجرد الخروج على الهواء والتعليق على التطورات الميدانية، فسيعتبر ذلك خرقا للقانون باعتبار أنه لم يعد لي ترخيص. طلبت من وزارة الإعلام تفسيرا، ولكنهم وبعد ثلاثة أشهر من المماطلة قالوا أخيرا إنه لن يتم تجديد بطاقتي.

بعدها بأسبوعين توجهت إلى المطار للسفر في إجازة شخصية ولكنني منعت من الصعود إلى الطائرة. عدت إلى المنزل وأجريت عدة اتصالات لأفهم ما يحدث ولكن لم تتحمل أي جهة مسؤولية قرار منعي من السفر. حاولت الخروج من البلاد أربع مرات دون جدوى، فأصدرت عدة منظمات دولية (كهيومان رايتس واتش ومنظمة العفو الدولية) بيانات تطالب الحكومة البحرينية بالسماح لي بالسفر. في تلك الفترة تلقيت أيضا إخطارا بالمثول أمام المحكمة بحجة أنني أعمل بدون ترخيص. فعرفت عندها أنه جاء وقت التكسير النهائي، وكان الأثر على نفسيتي سيئا للغاية: لم أكن ممنوعة من العمل فحسب، وإنما من السفر أيضا وعندها شعرت بالاختناق.

في النهاية، وبفضل الضغط الدولي، تلقيت اتصالا هاتفيا مفاده أنه تم رفع قرار منعي من السفر. في تلك الليلة حزمت حقيبتي وسافرت إلى باريس بدون خطة، ولكن على أمل أن تساعدني المؤسسات الإعلامية التي كنت أعمل معها. وهنا بدأت معركة جديدة.

عرفت عندها أنه جاء وقت التكسير النهائي، وكان الأثر على نفسيتي سيئا للغاية: لم أكن ممنوعة من العمل فحسب، وإنما من السفر أيضا وعندها شعرت بالاختناق.

كيف كان استقبال France 24 وإذاعة مونتي كارلو لكِ عندما انتقلتِ إلى باريس؟

قالوا لي فورا إنه ليس بإمكاني العمل معهم في فرنسا، وشعرت عندها إنهم خذلوني بشكل كبير، فأنا أعمل معهم منذ اثني عشر عاما وكل ما مررت به كان بسبب العمل الذي أديته معهم ومع ذلك لم يبدوا استعدادا لتحمل ولو جزء بسيط من مسؤولية ما مررت به. عرضت France 24 تغطية تكاليف المحامي في قضيتي ولكن هذا لم يكن كافيا. لحسن حظي أنني كنت عضوة في إحدى النقابات الفرنسية والتي وقفت إلى جانبي، وخضنا مفاوضات طويلة مع دائرة المصادر البشرية في France 24 ووافقوا في النهاية على دفع مرتب شهري ضئيل لكي أتمكن من سداد نفقات المعيشة الرئيسية إلى أن أعثر على عمل.

من ناحية واقعية ماذا كنت تتوقعين منهم؟

أنا كصحفية كنت مفيدة لهم على أكثر من صعيد، فأنا لم أكن أغطي الشأن البحريني فقط، وإنما منطقة الخليج بأكملها وكنت أغطي الرياضة أيضا. كان بإمكانهم أن يوظفوني كمنتجة أخبار أو معدة برامج. كان بإمكانهم على الأقل مساعدتي في التشبيك مع مؤسسات أخرى للعمل معها، وهذا أقل جهد كان بإمكانهم بذله مع صحفية عملت معهم لاثني عشر عاما. لكن تعاملهم كان سيئا للغاية.

هل كان سهلا استئناف العمل الصحفي من باريس، أم كانت هناك تحديات؟

في البداية لم تكن كل وسائل الإعلام على علم بأنني تركت البحرين، فكانت لا تزال تصلني طلبات من مواقع كرصيف 22  لتغطية الأخبار، وتمكنت من العمل وكأنني لا زلت في البحرين لحوالي 9 أشهر. كانت 2016 سنة حامية في البحرين، فقد سحبت السلطات تراخيص أغلب الصحفيين ومنعتهم من العمل، وتم إغلاق الكثير من جمعيات المعارضة واعتقال رموزها، كما سحبت جنسية الشيخ عيسى قاسم، أكبر مرجع شيعي البحرين. كنت أتابع كل هذه الأحداث وأغطيها من باريس، وأصبحت أنا أيضا جزءا من هذه التطورات إذ أدانتني المحكمة بالعمل دون ترخيص وحكمت عليّ بدفع غرامة ألف دينار بحريني (2600 دولار أمريكي).

ولكن بعض المحطات توقفت عن دعوتي للتعليق على ما يحدث في البحرين عندما أخبرتهم أنني غادرت البلاد لأنهم يفضلون استضافة أصوات من داخل البحرين. ولم يكن بإمكاني الاستمرار في تغطية التطورات الميدانية وكأنني لا زلت هناك، ولذا بدأت تدريجيا بالتحول من إرسال مواد إخبارية إلى مقالات مطولة وتحليلات سياسية.

خسرت الكثير من الاتصالات وهناك أمور لم يعد بإمكاني الكتابة عنها كالمحافل الثقافية في البحرين. ولكنني في نفس الوقت أقمت اتصالات جديدة مع مواقع مثل Orient XXI والذي يطلبون مني تقارير معمقة بين الحين والآخر. النقلة المهنية إلى باريس كانت بحاجة إلى الكثير من المرونة والتأقلم وتعلم أشياء جديدة، وهذا أمر ألاحظه أحيانا مع بعض الصحفيين العرب الذين يواجهون صعوبة في التأقلم في المهجر، فبعضهم أحيانا لا يكملون العمل لأن لديهم أسلوبا معينا في الكتابة ويجدون صعوبة في بناء شبكة علاقات جديدة.

كانت هناك إضافة أيضا إلى طبيعة المواضيع التي تكتبين عنها، إذ بدأنا نقرأ اسمك على مقالات عن حقوق المثليين في العالم العربي...

أنا لم أبدأ بالكتابة عن هذا الموضوع بعد انتقالي إلى أوروبا. أنا أكتب عن الجندر والجنسانية منذ أن كنت في البحرين، ولكن كنت آنذاك أكتب تحت اسم مستعار، ولكن للإجابة على هذا السؤال بشكل أفضل أريد العودة إلى الوراء.

الانتقال إلى أوروبا أحدث تغييرات جذرية في حياتي، ليس فقط في مهنتي ولكن في شخصيتي أيضا. أنا في الخليج كنت مرفّهة، وكان هناك أشخاص يقومون بالكثير من الواجبات نيابة عني: كتنظيف منزلي وإعداد طعامي وتنظيف ثيابي، وعندما انتقلت إلى أوروبا أصبح عليّ القيام بكل ذلك لوحدي وكان هذا تحديا كبيرا بالنسبة لي، ولكنني الآن اعتدت على ذلك ولا أعتقد أنني سأعود إلى "نزيهة" التي كانت في السابق. هذه التغيرات أيضا انعكست على نظرتي للمجتمع، ففي السابق كنت أكتب عن أمور كثيرة تحت أسماء مستعارة لأنني أخشى ردة فعل المجتمع ومن بينها قضايا الجندر والجنسانية. أما الآن فصرت أكتب عن مواضيع الجندر والجنسانية بانفتاح أكثر لأنني اقتنعت بأنه ليس هناك عيب في الكتابة عن هذه الأمور، وأصبحت أقوى من الناحية النفسية على مواجهة المجتمع.

الوطن هو بيتي الصغير هنا في برلين وهو اللحظات الجميلة التي أعيشها مع أصدقائي، أو طبخة لذيذة من صديقة فلسطينية… هذا هو الوطن.

لا تزالين تكتبين أيضا عن الشأن البحريني ولكِ مقالات تتعلق بحقوق النساء كأزمة النساء اللواتي ينتظرن الطلاق في المحاكم الجعفرية والتطورات السياسية كقرار البرلمان البحريني تقليص صلاحياته في إبريل نيسان 2021. فهل تخشين أن لما تكتبينه تبعات على أسرتك التي لا تزال في البحرين؟

هذه القضايا لا تزال تهمني وتدفعني للكتابة، فأن يصوّت البرلمان ليقلص صلاحياته وقدرته على النقاش فهو أمر مثير للسخرية ويدفعني للتعليق. لم تتغير طريقتي في الكتابة عن هذه الأمور عن ما كان عليه في البحرين، ولكن الحذر لا يزال موجودا. أنا وللأسف لا أكتب عن كل شيء، ولست حرة بشكل كامل، لأن أهلي لا يزالون في البحرين. لا أخفي أن هناك أمورا كثيرة لا أتطرق إليها لأنها في منتهى الحساسية ولكنني مرغمة على ممارسة نوع من الرقابة الذاتية لكي لا يؤثر عملي على أهلي هناك.

كيف ترين الوضع في البحرين اليوم؟

عندما خرجت من البحرين عام 2016، لم تكن هناك حرية صحافة وتعبير، وهذا الأمر لم يتغير. ولكن ما تغير للأسف هو أن الناس اعتادوا الآن على الصمت وعدم الكلام في السياسة. كل الصحفيين، بمن فيهم أنا، يمارسون رقابة ذاتية، ولهذا السبب تدنّى عدد الصحفيين الذين يتم استدعاؤهم من قبل النيابة العامة. الصحف المستقلة أغلقت، وعندما تم تطبيع العلاقات رسميا مع إسرائيل  في أكتوبر تشرين الأول عام 2020 لم يعلق الصحفيون المقيمون في البحرين على الحدث، حتى أولئك المعروفين بانتقادهم لإسرائيل وتضامنهم مع القضية الفلسطينية التزموا الصمت. فهم غير قادرين على الكلام وليسوا مستعدين للمخاطرة لكي لا ينتهي بهم المطاف في السجن.

لا أسمع في كلامك بوادر أمل، فهل تتخيلين أنك في يوم ما ستزورين البحرين أو تعودين إليها؟

أنا لم أقل أنه لا يوجد أمل، فلولا الأمل لما بقيت على قيد الحياة. أنا مؤمنة بالتغيير وهو حتما سيحدث.  قد أعود للبحرين يوما ما، ولكنني لا أعرف إذا كنت أرغب في العيش هناك من جديد لأنني تغيّرت كثيرا ولكنني مع ذلك لست بعيدة عن وطني.

هل يمكن للغربة أن تصبح وطنا؟

هذا ممكن، ولهذا أقول دائما للصحفيين العرب الذين تضطرهم الظروف للعيش خارج بلادهم أننا موجودين لبعضنا البعض. أعرف أن من يخرج من بلده ويضطر لطلب لجوء يشعر بأن هذه النهاية ولكن الأمر ليس كذلك أبدا، فقد نعثر على وطن في الغربة. قد يصعب الوصف، خاصة وأنني بعد خمسة أعوام لا أزال أبحث عن جواب ولكنني أعرف على الأقل أن الوطن ليس فقط الأرض، بل هو بيتي الصغير هنا في برلين وهو اللحظات الجميلة التي أعيشها مع أصدقائي، أو طبخة لذيذة من صديقة فلسطينية… هذا هو الوطن.

الصورة: 

نزيهة سعيد في مؤسسة "متحف المنفى" برلين Stiftung Exilmuseum Berlin. الصورة بلطف من نزيهة سعيد.