اتخذت دالية خميسي، المصورة المولودة في لبنان والمرشدة في شبكة ماري كولفن للصحفيات، مهنة توثيق المعاناة الإنسانية وتكريم من عانوا من الكوارث المتعاقبة على لبنان. حسابها على تطبيق "إنستغرام" يعرض صورا وقصصا لبعض عائلات المفقودين في الحرب الأهلية اللبنانية بين عامي 1975 و 1990، والذين يقدر عددهم ب 17 ألف شخصا، واللاجئين السوريين الذين فروا من الحرب في بلادهم ويعيشون في فقر وعزلة في لبنان. وتعمل داليا حاليا على مشروع مع "المفكرة القانونية"، وهي منظمة غير ربحية تسعى لتعزيز سيادة القانون والمساءلة المؤسساتية، لتوثيق قصص ضحايا انفجار مرفأ بيروت، الذي وقع في 4 آب/أغسطس 2020.

أين كنتِ عندما وقع انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/أغسطس 2020؟

لا أعتقد أنه يمكن لأي شخص أن ينسى أين كان/ت في تلك اللحظة تحديدا. في الساعة 18:08 مساءً، كنت في المنزل أتحدث إلى صديقة عبر الهاتف، وكانت تقود سيارتها في شارع ليس بعيدًا عن المرفأ نفسه. أخبرتني أنها ترى حريقًا بينما كانت تهبط في سيارتها من مرتفع، ثم سمعنا الانفجار المزدوج. صرخنا معًا ثم انقطع الاتصال معها لبعض الوقت. لحسن الحظ لم يلحق شقتي أي ضرر، إذ كانت النوافذ مفتوحة في تلك اللحظة. كان هناك طبق من الطعام في حضني، وقد رأيت الطعام يتطاير بحركة بطيئة ثم يتناثر على الأرض، بينما ركضت قطتي في جميع أنحاء الغرفة من الذعر. كل شيء بدا لي بطيئًا في تلك اللحظة. ومع أنني أسكن في الطابق الثالث، إلا أنني شعرت بجزيئات الرمل تتصاعد من الأشجار خلف المبنى وعبر النافذة، لتضربني على رأسي وكتفي من الخلف.

الكثيرون منّا، خارج لبنان، عرفنا عن الانفجار أثناء وقوعه لأن كثيرين نشروا صورا وفيديو في نفس اللحظة على وسائل التواصل الاجتماعي. فمتى قررتِ النزول والتصوير بالكاميرا؟

أشعر بأننا نشهد عفوًا آخر شبيهًا بالذي شهدناه بعد الحرب الأهلية، وإذا لم نتحرك الآن سنجد أننا بعد 15 عاما لا نزال نسأل ونبحث عن إجابات.

عندما وقع الانفجار لم أذهب حتى إلى الشرفة. أرسلت رسالة إلى عائلتي لأخبرهم أنني بخير، ثم أدرت التلفزيون وشاهدت اللقطات الأولى للانفجار.  في ذلك المساء، اتصلت بي وكالة أنباء وطلبت مني العمل معهم، لكنني لم أكن قادرة على الخروج من المنزل. وفي اليوم الثاني، قبلت مهمة من الصليب الأحمر البريطاني فقط لأنها كانت بهدف جمع التبرعات. في اليوم الثالث بعد الانفجار، اتصل بي محرر صحيفة "لو موند" الفرنسية للعمل معهم. كنت أعرف الصحفيين اللذين سأعمل معهم، ولهذا قبلت المهمة التي كانت مدتها شهرًا. تمكنت من القيام بهذه المهمة فقط لأنني كنت برفقتهم ولست بمفردي. لولا ذلك، لكان من الصعب جدًا أن أخرج للتصوير بمفردي.

تعملين حاليًا على مشروع جديد مع "المفكرة القانونية" لتوثيق قصص ضحايا انفجار المرفأ. أخبرينا المزيد عنه.

تواصلت معي "المفكرة القانونية" لأنهم أرادوا مصورًا يمكنه سرد قصص عائلات ضحايا الانفجار. قبلت على الفور واقترحت مشروعًا على غرار القصص التي نشرتها على حسابي على "إنستغرام" عن عائلات المفقودين خلال الحرب الأهلية اللبنانية، ولكن مع نصوص أطول، ومقاطع فيديو وصوت. شعرت أنني قد عملت بما فيه الكفاية مع وسائل الإعلام، وأردت أن أتعمق أكثر في قصص العائلات لأُظهِر كيف تغيرت حياتهم في أعقاب الانفجار، وهو أمرٌ لا يحظى باهتمام كاف من وسائل الإعلام. كما وأن بعد الانفجار بقليل، اندلع النزاع بين أرمينيا وكازاخستان في منطقة ناغورنو كاراباك وانشغلت وسائل الإعلام به، لذا لم يعد هناك اهتمام كبير بلبنان وتداعيات الانفجار.

كنت قد بدأت أشعر بأننا نشهد عفوًا آخر شبيهًا بالعفو الذي شهدناه بعد الحرب الأهلية، وإذا لم نتحرك الآن سنجد أننا بعد 15 عاما لا نزال نطرح ذات الأسئلة ونبحث عن إجابات، ولا نزال نسعى لتحقيق العدالة للضحايا وعائلاتهم. شعرت أيضًا أن الناس بدأت في المضي قدمًا وأن أسر الضحايا تُركوا وحدهم للتعامل مع مصائبهم. عادة ما نتعامل مع الضحايا في العالم العربي على أنهم مجرد أرقام. فعندما اغتيل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري عام 2005، تحدثت التقارير عن مقتل 20 آخرين معه. لكن من هم هؤلاء الناس، وما هي أسماؤهم، ولماذا نهتم بالحريري فقط؟ الضحايا ليسوا أرقامًا، ولا يمكن أن يكون هناك عفو آخر عن المسؤولين عن هذا الانفجار، كما فعلنا مع أولئك المسؤولين عن الحرب الأهلية.

لا يزال هذا المشروع في مراحله الأولى. لقد زرت بعض العائلات، وفي كل مرة أذهب إليهم حاملة الكاميرا. لكنني لم ألتقط أي صور حتى الآن. أنا حاليا أقوم فقط بالإصغاء إليهم.

كيف يختلف هذا المشروع عن مشروع "مفقودي لبنان"، الذي تعملين عليه منذ عدة سنوات لتوثيق قصص عائلات بعض المدنيين الذين يقدّر عددهم بنحو 17 ألفًا والذين فُقدوا خلال الحرب الأهلية؟

لا يمكنني أن أطلب من أم فقدت ابنها في الانفجار أن تحمل صورة له وتقف أمام الكاميرا. ليس بعد.

الفرق الرئيسي هو أن انفجار المرفأ قد وقع للتو، بينما انتهت الحرب الأهلية منذ أكثر من 30 عامًا. لذا فإن الأسلوب الذي يتحدث به الناس عن آلامهم ومعاناتهم مختلف. لا شك أن أهالي مفقودي الحرب الأهلية ما زالوا متألمين وحزينين، لكن الحديث عن أحبائهم المفقودين أصبح اعتياديا، ولذلك فإن الأمور التي يحدثونكِ عنها مختلفة. عندما أقابل ضحايا الانفجار، تؤثر بي آلامهم أكثر لأنها لا تزال راهنة ولم يعتادوا عليها بعد. لا يمكنني، على سبيل المثال، أن أطلب من أم فقدت ابنها في الانفجار أن تحمل صورة له وتقف أمام الكاميرا. ليس بعد. لهذا السبب، يستغرق التقاط الصور لمشروع المفكرة القانونية وقتًا أطول.

إحدى العائلات التي فقدت ابنها في الانفجار لا يرتاح بعض أفرادها في الحديث أمام الآخرين. تحدثت مع الأب لخمس وعشرين دقيقة، وكان ابناه الآخران متواجدين في نفس الغرفة يستمعان إليه وهو يتحدث ويبكي. لكن عندما دخلت زوجته، طلب مني إيقاف المقابلة. وكذلك لا يشعر أبناؤه بالراحة عند التحدث أمامه أو أمام والدتهم، لكنهم على استعداد للتحدث معي وحدهم.

أكثر ما يغمرني بالمشاعر هو أن العائلات تثق بي، وعلى الرغم من آلامهم إلا أنهم يتعاملون بدفء وكرم كبيرين. فهم يصرون على دعوتي لتناول الغداء أو للمبيت إذا كان منزلهم بعيدًا. في زيارتي الأولى لإحدى العائلات، تناولت الغداء معهم لكنني لم أتناول الخبز لأن لدي حساسية من القمح. في زيارتي التالية، اشترى ابنهم أربعة أنواع مختلفة من الخبز لأختار من بينها حرصًا على حساسيتي. عندما أخبرتهم أنني أحب الجوز، أعطوني عندما غادرت ثلاثة كيلوغرامات من الجوز من أشجارهم. لا أعرف إذا كان الصحفيون الآخرون يعاملون بنفس القدر من اللطف والكرم، لكنني أجده دافئًا ورائعًا.

لقد تحدثت في السابق مع شبكة ماري كولفن للصحفيات عن تأثير عملك على صحتك النفسية، وذكرت أنك عانيت من اضطراب ما بعد الصدمة (أثناء حرب 2006 مع إسرائيل) وأزمة ناجمة عن تراكم الصدمة (أثناء العمل على مشروع "مفقودي لبنان")، فكيف تحافظين الآن على توازن بين عملك وصحتك النفسية؟

خلال حرب عام 2006، لم أكن قادرة على التواصل أو الحديث مع أي شخص لم يكن يمر بنفس تجربتي. لم يكن بإمكاني التحدث إلا مع الصحفيين والأشخاص المتواجدين في الميدان لأننا نتشارك نفس التجربة.

 لست بطلة. أنا إنسانة وضحية للانفجار أيضًا، وأبكي مع العائلات. كيف يمكنك عدم البكاء عندما تسمعين قصصًا مروعة عن الفقدان؟

قمت مؤخرًا بمقابلة عائلة، وخلال المقابلة بكيت مع الوالدة. كان من المفترض أن أذهب لزيارة والدتي بعد ذلك، لكنني قررت ألا أذهب لأنني لم أكن على ما يرام. عدت إلى شقتي، وجلست وحدي لبعض الوقت، بكيت قليلاً، وعندما شعرت بالتحسن، ذهبت لمقابلة أصدقاء. أحاول الاعتناء بنفسي والعودة إلى ممارسة التمارين الرياضية وإصلاح الأشياء في شقتي، وهذا يساعدني كثيرًا. وإذا لم تنجح تدابير الرعاية الذاتية، سأذهب إلى معالج/ة نفسي/ة لأنني أكثر وعيًا الآن بالصدمة التي يسببها العمل في هذا المجال ولا أريد التعرض للصدمات التي عانيت منها سابقا. أنا لست بطلة ولا أتصرف كواحدة. أنا إنسانة وضحية للانفجار أيضًا، وأبكي أحيانًا مع العائلات. كيف يمكنك عدم البكاء عندما تسمعين قصصًا مروعة عن الفقدان؟

هل لديك أمل أن يساهم عملك هذه المرة في إحداث تغيير أو نوع من المساءلة؟ أم أن هذا تفاؤلٌ مفرط؟

 بما أنني أعمل على هذا المشروع مع "المفكرة القانونية"، التي تعمل على العديد من القضايا الاجتماعية في لبنان، وبما أن عملي يدعم جهودهم لإحداث تغييرات قانونية، فإن هذا يمنحني بعضا من الأمل. لكنني أشعر أيضًا أن هذا المشروع هو تكريم للضحايا التي تخشى عائلاتهم أن يتم نسيان أمرهم بسرعة. اللبنانيون يحبّون أن يفكروا أنهم قادرون على تجاوز الأزمات بسرعة والعودة إلى حياتهم الطبيعية، لكن العائلات لا تريد أن يتم نسيان أبنائها وبناتها بهذه السرعة.

الصور:  1.صورة لسامر، عامل سوري، وابنته بيسان التي ماتت متأثرة بجراحها بعد أيام من انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس آب 2020. 2. سامر في شقة صديق له في منطقة الكرانتينا في بيروت. 3. دالية خميسي، المصوّرة والمرشدة في شبكة ماري كولفن للصحفيات.