مها اللواتي

لم تتخيل مها، عندما كانت تدرس الأدب الإنجليزي في جامعة بنغازي عام 2011، أنها ستصبح صحفية تعمل مع محطات أخبار عالمية. لكن الثورة التي اندلعت في ليبيا ذلك العام سلطت أنظار الإعلام على بلادها وجاءت أفواج من الطواقم الإعلامية إلى مدينتها تبحث من مراسلين ومساعدين (فكسر). على مدى أكثر من ستة أعوام، ساعدت مها* عشرات الصحفيين في ترتيب المقابلات والعثور على المعلومات من مصادر والحصول على الأذونات اللازمة للعمل في ليبيا. كل ما تعرفه عن الصحافة اليوم جاء عن طريق الممارسة، ولكن ما لم تكن تعرفه حتى وقت متأخر هو أن عملها كفكسر كان ينبغي أن يكون بأجر.

 

بدأت مشواري الصحفي تحديدا في شهر مارس آذار عام 2012 عندما كتبت مقالا في الذكرى السنوية الأولى للثورة لصحيفة ناطقة باللغة الإنجليزية. توالت التقارير وصار صحفيون مستقلون من فرنسا والولايات المتحدة يقرؤون اسمي وبدؤوا يتواصلون معي لطلب المساعدة. كانوا يطلبون مساعدتي في ترتيب إجراءات الدخول إلى المطار وترتيب مقابلات مع مشايخ قبائل. ولكنهم لم يستعملو كلمة "فكسر" (أي مساعدة طواقم إعلامية) ولا مرة، وبالتالي لم أكن أدرك أن ما أقوم به هو عمل صحفي.

لم يخطر في بالي قط أن أسأل عن أجر. كان عمري 18 عاما آنذاك وكنت منبهرة بهم. قبل ذلك، لم نكن نسمع عن ليبيا في التلفاز أبدا، ما عدا التلفاز الرسمي الذي كان ينشر أخبار معمر القذافي. لذا فرحت لدوري في نقل أخبار مختلفة عن ليبيا. كان أهلي يسألونني إن كنت أتقاضى أجرا عن عملي، وعندما كنت أجيب بالنفي كان يحذرونني من أن هذا خطا. ولكنني تحرجت من طرح المسألة مع الصحفيين الأجانب.

كانوا يرسلون لي تعليمات عبر الإيميل أحيانا، طالبين مني إجراء اتصالات لهم، وكنت أجريها من هاتفي الخاص وهذا أمر مكلف، ولكنني لم أتلق أي تعويض عن ذلك. كنت أحيانا أواجه صعوبة في الترجمة فأستعين بأصدقائي لتفريغ وترجمة مقابلات طويلة. جهدي وجهدهم كان دون مقابل. كان الصحفيون يتصلون بي فور سماع أنباء عن وقوع انفجار مثلا، وكنت أجمع كل المعلومات بنفسي، ليقوموا هم بصياغتها بشكل تقرير يحمل اسمهم دون أي ذكر لاسمي. كنت أستغرب من ذلك ولكنني كنت أعتقد أن يعملون كمساعدين للصحفيين كلهم متطوعون، فلم أتوقف عند المسألة كثيرا.

ما حدث معي على مدى تلك السنوات كان استغلالا. فبفضلي تمكن أولئك الصحفيون من الوصول إلى كبار مشايخ القبائل والقادة السياسيين.

مع تدهور الوضع في ليبيا أصبحت المهمات أكثر صعوبة. كان مطلوبا مني تنسيق مقابلات مع مختلف القادة السياسيين: من الجنرال خليفة حفتر إلى رئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح، وللقاريء أن يتخيل مدى الرعب الذي كنت أعيشه عندما يكون التقرير النهائي سلبيا أو ينتقد جانبا دون آخر، إذ أن الصحفيين كانوا يتركون البلاد بعد ذلك وأبقى لوحدي لتحمل التبعات.

في عام 2016 انتقلت للعمل مع هيئة الإعلام الخارجي في بنغازي لأنني كنت بحاجة إلى الأجر. وعندها تعرفت على شباب يعملون نفس العمل الذي أقوم به مع الصحفيين الأجانب، واكتشفت أنهم كانو يتقاضون 150-200 دولار في اليوم الواحد، وكان هذا صدمة كبيرة بالنسبة لي.

لا أنكر أنني تعلمت الكثير في تلك الفترة بفضل أولئك الصحفيين، كما أن لغتي الإنجليزية تحسنت بشكل كبير. ولكن يجب القول ودون أي خجل أن ما حدث معي على مدى تلك السنوات كان استغلالا. فبفضلي تمكن أولئك الصحفيون من الوصول إلى كبار مشايخ القبائل والقادة السياسيين، وكنت أساعدهم حتى في المبيت في منازل أصدقائي عندما كانت الحركة صعبة. ومع ذلك لم يخطر في بالي قط أن أطلب منهم أجرا لأنني أخجل. أنا لا أطلب المال من زوجي ولا من والدي، ولكن عندما تحدثت مع إدارة شبكة ماري كولفن للصحفيات، أدركت ما كان ينبغي أن يكون واضحا منذ البداية: أن هذا عمل شاق وأجره هو حق.

وفي مقابل هذا، فإن أفضل مؤسسة إعلامية تعاملت معها هي موقع مدى مصر، ففي عام 2018 عندما انتشرت شائعات بأن حتفر قد مات، أجريت اتصالات وأدركت أن الخبر كاذب، وكتبت ذلك في تغريدة على حسابي على موقع تويتر. تواصل معي فورا محررون من موقع مدى مصر وطلبوا أن أكتب الخبر في اقل من ربع ساعة، ثم أرسلوا لي 350 دولارا على خبر لم يتجاوز ال 250 كلمة ولم أكن أتوقع ذلك أبدا.

عندما انتقلت أخيرا إلى بلد أوروبي، أدركت بأنني سئمت من هذا الوضع. لا يزال صحفيون يتصلون بي طلبا للمساعدة وأقول لهم إنني الآن خارج ليبياـ مع أنه بإمكاني مساعدتهم حتى عن بعد، إلا أنني لم أعد أرغب في ذلك.

عزيزة نوفل

تعمل عزيزة تعمل في الصحافة منذ عام 2002، وقد اعتمدت عليها الكثير من المواقع العربية والأجنبية، ليس فقط لتغطية الأخبار الميدانية، وإنما لتحقيقات معمقة في موضوعات عدة: من سرقة الآثار الفلسطينية إلى التعذيب في السجون الفلسطينية. إلى اليوم، لها في ذمة بعض وسائل الإعلام آلاف الدولارات، ولا توجد أي وسيلة قانونية لتحصيل حقوقها.

حتى وقت ليس ببعيد، كنت أخجل كثيرا من السؤال عن الأجر، والآن أدرك أن هذا الأمر كلفني آلاف الدولارات. أغلب التقارير التي أعددتها كصحفية مستقلة (فريلانس) كانت تأتي بمبادرة منّي، إذ كنت أرسل مقترحاتي لوسائل الإعلام، وفي حال الموافقة عليها كنت أبدأ على الفور دون أن أسأل عن الأجر. في عام 2010 كنت أعمل مع صحيفة خليجية معروفة ولكن لم نكن قد اتفقنا على أجر. بالصدفة، تحدثت إحدى زميلاتي لمراسل يعمل معهم واكتشفت أنهم يدفعون جيدا لمراسليهم. أجريت عملية حسابية وتبيّن أن لي في ذمتهم ما مبلغ كبير، فتواصلت مع رئيس التحرير لأستفسر عن الموضوع ولكنه لم يجب، فتوقفت عن الكتابة لهم.

كنت أخجل كثيرا من السؤال عن الأجر، والآن أدرك أن هذا الأمر كلفني آلاف الدولارات.

في فلسطين أيضا هناك ظاهرة "الوسطاء"، وهم وكلاء محليون لمحطات عربية ويطلبون منّا كصحفيين مستقلين إرسال تقارير لهم، وبالتالي فإن كل الاتصالات، سواء التحريرية أو المالية، تجري مع الوسيط. وقد حدث معي أن أرسلت مجموعة كبيرة من التقارير ولكن الوسيط قال لي إن المحطة لم تدفع له وبالتالي لا يمكنه أن يدفع لي. وبالطبع فلا توجد لدي أي طريقة للتأكد من صحة هذا الكلام لأنه لا يوجد لدي اتصال مباشر مع المحطة ولا يوجد عقد بيني وبين الوسيط.

أكثر ما يضايقني هو أنه حتى في حال الاتفاق على أجر، فإن العديد من المؤسسات الإعلامية لا تتابع مع المراسلين لتتأكد من أن المبلغ قد وصلهم، ونضطر نحن للملاحقة والانتظار لأشهر للحصول على مبالغ زهيدة. كتبت مؤخرا مقالا لموقع أمريكي ناطق باللغة العربية، واضطررت لتذكيرهم أكثر من مرة بأنني لم أتلق أجري، واستغرق الأمر خمسة أشهر لأحصّل 150 دولارا فقط. إحدى المنصات العربية تدفع للمراسلين مرة واحدة بعد نشر 4-5 تقارير، وهذه التقارير قد تنشر على مدى أشهر طويلة. انتظرت حوالي 5 أشهر إلى أن كنت قد نشرت معهم 5 تقارير، ولكن لم يتصل بي أحد. قررت أن أكتب إليهم لأذكّرهم، وعندها فقط قالوا لي إن هناك مشكلة في تحويل الأموال بين بلدهم وفلسطين، وكان عليّ أنا أن أسعى لأعثر على وسيلة ليتمكنوا هم من إرسال المال لي. طبعا كانت عملية تحويل طويلة اقتطعت خلالها البنوك عمولات كثيرة وكان ذلك على حسابي.

في إحدى المرات كنت قد أعددت تحقيقا استقصائيا وساعدتني شبكة ماري كولفن للصحفيات في التشبيك مع موقع عربي لنشره، ولكن رئيسة تحرير الشبكة فوجئت عندما قلت لها إنني لم أطلب أجرا على ذلك، ودار نقاش مطوّل معها ومع إحدى مرشدات الشبكة حول هذا الموضوع، ما دفعني للتواصل مع الموقع والسؤال عن الأجر. تواصلت شبكة ماري كولفن للصحفيات معهم أيضا للمتابعة (بما أنها ساهمت في التشبيك بيننا) وبعد ثمانية عشر شهرا من الانتظار وصلتني مستحقاتي.

أكثر المؤسسات الإعلامية التي أحترمها هي "المونيتور" فهي المؤسسة الوحيدة التي بادرت وأرسلت لي عقدا للصحفيين المستقلين (الفريلانس)، ويتواصلون مع المراسلين دائما بشكل مفتوح وشفاف عندما يحدث هناك تغيير في الأجور. كذلك أيضا موقع العربي الجديد، فكنت قد نشرت لديهم مادة بدعم تحريري من شبكة ماري كولفن للصحفيات، وفي خلال أقل من أسبوع أرسلوا لي المبلغ مضافا إليه قيمة بسيطة لتغطية عمولات التحويلات البنكية.

نزيهة سعيد

عملت نزيهة سعيد كصحفية مستقلة في البحرين للعديد من المنصات العربية والأجنبية،  ووجدت أن أغلبها تفقد الذاكرة عندما يحين موعد الدفع، بل وتلقي باللائمة عليها لأنها لم تذكرهم بمستحقاتها. على العكس من الكثير من عضواتنا فإن نزيهة تخلصت من الخجل منذ زمن بعيد ومكّنها ذلك من تحصيل بعض حقوقها، إن لم يكن كلها.

بدأت مشواري الصحفي مع الإعلام البحريني المحلي، وكان لدي  عقد وراتب شهري يصل إلى حوالي 1000يورو. ولكن غالبا ما كانوا يتأخرون في الدفع، أحيانا بحجة أن ناشري الإعلانات لم يدفعوا لهم بعد.

بعد أن أثبت نفسي واكتسبت خبرة، بدأت في العمل كصحفية مستقلة مع وسائل إعلام أجنبية، وهم أيضا كانوا يتأخرون في الدفع. عملت مع محطة إذاعة وتلفزيون فرنسيين، وكانوا يدفعون على القطعة. كنت في البداية أخجل من السؤال عن مستحقاتي، ولكن بعد شهور أدركت أن لا مجال للخجل. وعندما طالبت بمستحقاتي كنت أسمع أجوبة مثل: "كان يجب عليك أن تذكرينا!"، ولم أكن أفهم أبدا لماذا علي أن أذكرهم طالما أن هناك اتفاق بيننا. نحن هنا نتحدث عن مؤسسات كبيرة يفترض أن تتعامل مع الصحفيين بمهنية أكثر.

بعض رؤساء التحرير كانوا يتصلون بي ويطلبون مني تريب مقابلة مع وزراء مثلا، أو التواصل مع خبراء. هذا لم يكن محسوبا ضمن نطاق عملي ولم أكن أتقاضى عليه أجرا. ظننت وقتها أنني أقدم مساعدة بسيطة لزملائي. ولكن عندما أصبحت أعمل مع وسائل إعلام بريطانية أدركت أن ما كنت أقوم به هو عمل ال fixer وكان يجب أن أتقاضى عليه أجرا.

عندما طالبت بمستحقاتي كنت أسمع أجوبة مثل: "كان يجب عليك أن تذكرينا!"، ولم أكن أفهم أبدا لماذا علي أن أذكرهم طالما أن هناك اتفاق بيننا.

أعتقد أننا كثيرا ما نقوم بمهام بشكل تطوعي دون أن نطلب أجرا لأننا نشعر بأنهم يسدون لنا معروفا عندما يعاملوننا كمراسلين لهم لكن الحقيقة هي أننا نحن اللاتي نصنع لهن المعروف. بعد ذلك، بدأت امتنع عن توفير المعلومات لهم، وأجيب بطريقة دبلوماسية فأقول: "إذا أردتم يمكنني إجراء المقابلة لكم"، أو "لا توجد لدي الأرقام".

في بداية العقد الماضي،  كنت أعمل مع صحيفة اقتصادية محلية بدوام جزئي . توقفت الصحيفة فجأة عن دفع راتبي ولكنهم استمروا بنشر مقالاتي وتقاريري. وعندما طالبتهم بمستحقاتي تحججوا بأن الظروف الاقتصادية صعبة. لم أقبل بهذه الحجة وبعد الإلحاح دفعوا لي ربع مستحقاتي فقط. لاحقتهم لمدة سنتين، وطالبت ببقية مستحقاتي ولكن دون جدوى.

عندما انتقلت إلى أوروبا واصلت العمل كصحفية مستقلة. قد يكون الحال مع هذه الوسائل أفضل من الناحية المالية  لكن القصة هي ذاتها، إذ علي دائما الملاحقة والسعي وراء مستحقاتي. الأجوبة تكون دائما "نسينا".. "راسلينا" "ذكرينا".. أعتبر هذه الأجوبة قصة حياتي كصحفية!

نصيحتي لكل صحفية أن لا تخجل من المطالبة بحقها. في مجتمعاتنا عادة ما نخجل من السؤال عن المال لأن في الأمر مذلة وبصراحة فإن المؤسسات تعوّل على خجلنا وتعوّل على فكرة أن الصحفي يعمل من أجل قضية أسمى من المال، وبالتالي فهي تسدي له معروفا حتى لو لم تدفع له. هذا مرفوض. أنا أقوم بعمل إذا يجب أن أتلقى  مقابلا على  عملي! وللعلم بالشيء، فإن أجور الصحفيون والصحفيات هي أصغر عبء مادي على أي مؤسسة إعلامية، والتي تتكلف مبالغ أكثر في إدارة أقسام التسويق والإعلانات. أجوركن ليست عبئا على هذه المؤسسات فلا تخجلن من المطالبة بحقوقكن!

*الصورة: أندرو بونز | stocksnap.com